الرئيسية / محليات / سوق السمك في شرق

سوق السمك في شرق

رغم أن مياة الكويت عالية الملوحة ودرجات حرارتها تتراوح من الحار جداً إلى البارد جداً، إلا  أن الله سبحانه وتعالى أنعم عليها بوفرة من الأسماك والحياة البحرية الغنية. فالعديد من الأسماك شديد التحمل يستطيع العيش في تلك الظروف القاسية، وهي متنوعة بحيث تشكل مأكولات طيبة. يشهد على ذلك سوق السمك في منطقة شرق، حيث تُباع كميات كبيرة من المأكولات البحرية كل يوم.

بُني سوق السمك 1998 بجانب مول شرق على الواجهة البحرية، حيث تجذب المرافق المعاصرة والمشرقة للسوق المواطنين والوافدين على حد سواء. ويختلط هناك ذواقو الطعام البحري وأصحاب المطاعم مع المتسوقين والزوار الذين يرتادون المكان راغبين بمشاهدة عطاء الخليج العربي. وتصطف الأسماك والسلطعونات والحبار والمحار في صفوف لامعة ورطبة على ألواح مائلة من الحجر في حين تمتلئ السلال البلاستيكية بأكوام مرتفعة من صيد اليوم.

كان الباعة المتجولون يدعون المارة لشراء سلعهم، حاملين أسماك الهامور المرقطة والسمينة وأسماك البركودة الطويلة والملساء وأسماك الحمرا التي تشكل متعة للناظرين بلونها الأحمر وأسماك الشيم بشواربها الطويلة، وأسماك الشعري فضية اللون، وغيرها من أنواع الأسماك العديدة. يفضل الكويتيون أنواعاً تقليديةً من الأسماك، بما في ذلك الزبيدي والهامور والنقرور والشعم والنويبي والسبيطي المعروف أيضاً باسم سلطان إبراهيم.

images

وسمك الصبور كثير الشوك طيب المذاق معروفٌ لدى آكليه الذين لديهم الصبر لالتقاط أشواكه العديدة والدقيقة حين يأكلونه، وهذا النوع من السمك موسمه قصير يمتد من أغسطس حتى أكتوبر. أما سمك الميد صغير الحجم فهو أيضاً من الأسماك الصيفية طيبة المذاق ذات الأسعار المعقولة، ومن الأسماك المناسبة للشواء.

وفق ما يقوله الباعة المتجولون، الآسيويون سمكهم المفضل، سمك الباسي والإسابا والتشم والفيرش، كما يفضلون المحار والسلطعونات والحبار.
من بين أكثر الأسماك المفضلة والأعلى سعراً في سوق السمك أسماك الزبيدي، حيث يعد الزبيدي الكويتي أعلى سعراً من الزبيدي المستورد. وتختلف أسعاره حسب العرض والطلب. في ذلك الصباح بالذات وصل سعر الزبيدي الكويتي إلى 11 دينارا للكيلو الواحد، في حين كان سعر الزبيدي الإيراني 6 دنانير.

كنا نراقب المتسوقين وهم يتفحصون بعناية الأسماك للـتأكد من أنها صيد طازج، فقد كانوا يبحثون عن دلائل مثل الخياشيم الحمراء اللامعة والعينين البراقة واللحم الذي يرتد بسهولة حين تضغط عليه. وتعد المساومات الودية أمراً اعتيادياً يومياً.

تصطاد المسامك التجارية في الكويت ما يزيد عن عشرين نوعاً مختلفاً من الأسماك باستخدام ثلاث تقنيات رئيسة: الشباك الخيشومية مثل الليخ والغزل، والشبكة التي تستخدم بشكل رئيسي لصيد الربيان، والأقفاص السلكية النصف الدائرية الشبيهة بقفص السلطعونات والمعروفة باسم القرقور «الجرجور». وتتراوح مراكب الصيد من السنبوك المصنوع من الخشب أو الزجاج الليف إلى مركب الرولة المصنوع من الفولاذ والمراكب السريعة الصغيرة.

كان الميناء الصغير المجاور لسوق السمك يزدحم بمراكب السنبوك والمراكب السريعة، ويُجلب السمك الطازج من الميناء إلى السوق في أوقات مختلفة من اليوم، حيث يُقام مزادٌ صغير غير رسمي عند الساعة السابعة صباحاً، أما المزاد التجاري الكبير الذي يجذب أعداداً كبيرة من الناس فيقام بعد صلاة العصر من الساعة الثالثة إلى الثالثة والنصف تقريباً، وذلك حسب الوقت في السنة.

كان هناك نشاط كبير على ظهر أحد مراكب السنبوك حيث كان بعض الصيادين الهنود يستعدون لتفريغ صيدهم. وقد زُودت آلةٌ قديمة أصابها الصدأ بألواح ضخمة من الثلج، وكانت الآلة ترتعد وتهتز ولكنها تطحن بفاعلية الألواح الضخمة وتحولها إلى ثلج مبشور ينزلق من أسفل أنبوب معدني وينتهي به المطاف في سلة بلاستيكية ضخمة.

وفي هذه الأثناء بدأ بعض الرجال بنقل سلال ثقيلة مليئة بالأسماك في حين كان رجل آخر يقوم بتصنيف الأسماك في سلال حسب نوعها ثم يغطيها بكميات كبيرة من الثلج المبشور.
وكان يشرف على هذه العملية صاحب المركب علي الفيلكاوي: وقد «رجع الرجال من رحلة في البحر دامت عشرة أيام»، حيث كانوا يصيدون في المياه القريبة من الحدود السعودية الكويتية الإيرانية. وتستغرق الرحلة إلى منطقة الصيد من سبع إلى ثمان ساعات.

طاقم علي يصيدون السمك باستخدام القرقور، ففي كل رحلة يضعون ما بين مئة إلى مئتين من القراقير التي يبلغ طول قطر الواحد منها نحو المترين، وبما أن قاعدة الأقفاص يمكن تحريكها يُوضع القرقور الواحد داخل الآخر، حتى أن المراكب الصغيرة تتسع لعدد كبير منها. وأحياناً تتسع مراكب الدو الكبيرة إلى حوالي أربع مئة قفص.

وتوضع القراقير بالقرب من الحيود البحرية وفي أسفل المناطق الصخرية حيث يصعب استخدام شباك الصيد، ولهذا تستطيع صيد أسماك الحيود البحرية من قبيل الهامور والحمرا والسبيطي. ويتم تحديد مواقع الأقفاص عن طريق جهاز تحديد الموقع الأرضي GPS »»، وبعد عدة أيام يعود الصيادون ويفرغون الأقفاص.

يقول الفيلكاوي: «في الأيام الخوالي كان على الصيادين العثور على الأقفاص عن طريق البوصلة، وهو أمر ليس سهلاً، فلم يستطيعوا تأشير موقعها باستخدام العوامة، فقد يعثر عليها مركب آخر ويستولي على الأسماك».
ويعد الصيد باستخدام القرقور تقليداً راسخاً في منطقة الخليج العربي، وكانت الأقفاص تصنع من عساوة النخل أو البوص، أما في الوقت الحاضر فتصنع من الأسلاك المجلفنة.

ينحدر الفيلكاوي من عائلة من الصيادين ومالكي المراكب ويسير على خطى والده وجده، إلا أنه يقول إن الصيد في الكويت لم يعد كما في السابق، فعلى مدى السنين شوهد انخفاض في كمية الأسماك في المياه الكويتية بسبب عوامل عدة.
«منها مشكلة الصيد الجائر، ليس فقط في الكويت بل في جميع أنحاء العالم. هناك بعض القوانين التي تحمي الحياة البحرية غير أنه هناك صعوبة في تطبيقها، فبعض الصيادين يبدأون بصيد الربيان قبل بداية الموسم على سبيل المثال، وبالطبع يؤثر ذلك سلباً على كميات الربيان».

في تلك الأثناء عبأ الصيادون العديد من السلال الكبيرة بمختلف أنواع السمك، وبدأوا يفرغونها ويتوجهون بها إلى سوق السمك.
كانت الساعة الثالثة بعد الظهر وكانت مواقف السيارات تمتلئ بالزبائن الذين وصلوا لحضور مزاد المساء. وفي منطقة واسعة مفتوحة تقع في آخر رواق من السوق كان الباعة يجهزون صيد اليوم، حيث كانت السلال الكبيرة تطفح بطعام البحر الطازج، في حين كانت الأسماك الكبيرة موضوعة في صفوف مرتبة على الأرض، كما كانت البرادات الكبيرة الممتلئة بالثلج مفتوحة لعرض الأسماك والسلطعونات والحبار.

وبالنظر إلى الكميات الضخمة من مختلف أنواع الأسماك البحرية يبدو أنه لا يوجد نقص فيها في الخليج. إلا أن الدراسات العلمية تدعم ما ذهب إليه السيد الفيلكاوي وآخرون يعملون بمهنة الصيد.

الدكتور جيمس بيشوب باحث كبير في معهد الكويت للأبحاث العلمية ويشرف على برنامج إدارة المصادر البحرية القائم على النظام البيئي. وهو يعمل في الكويت منذ 29 عاماً. يستشهد د. بيشوب بإحصائيات عن الصيد التجاري في الكويت تم جمعها العام 1979 ويقول شارحاً إنه على الرغم من أن هناك انخفاض وصعود في الأرقام إلا أن هناك تناقصا ثابتا في كمية الأسماك بشكل عام.
وفق ما يقول  كان هناك ازدياد مؤقت في كمية الأسماك التي جاءت إلى الكويت خلال السنوات التي أعقبت الغزو العراقي، بمعدل إجمالي فاق 8000 طن في السنة. وكان ذلك سببه توقف جميع مظاهر الصيد أثناء الاحتلال، ما أعطى الأسماك الفرصة لكي تتكاثر. إلا أنه في العام 2012 انخفضت كمية الأسماك والربيان التي قدمت إلى الكويت لتصل إلى 4032 طن، وهو ما يشكل النصف فقط من الأسماك العام 1996 .

د. محسن الحسيني، وهو باحث آخر ومدير برنامج في معهد الكويت للأبحاث العلمية، أشار في نبذة عن صيد الأسماك في الكويت إلى أن الأسماك المحلية تلبي 30% فقط من حاجة الكويت للأسماك الطازجة في السنوات الأخيرة. ويستشهد على ذلك بالانخفاض الواضح في كمية سمك الزبيدي نظراً للإفراط في صيده.

كما أشار إلى أن أسماك الصبور لها مناطق لوضع البيوض وحضانتها في أنظمة أنهار دجلة والفرات وكارون التي تأثرت بنضح المستنقعات والزيادة في تدفق النهر بسبب بناء السد في أحواض الصرف الشمالية لأنهار دجلة والفرات وكارون. وهذا يعني أن على الكويت أن تستورد 70% من الأسماك الطازجة، ومع الاحتباس الحراري العالمي والارتفاع في درجات حرارة البحار وتزايد أعداد السكان والصيد الجائر في الأماكن الأخرى، قد لا يكون استيراد الأسماك خياراً متوفراً في المستقبل.

كما يقول إن أسماك الهامور تتعرض بشكل واسع للصيد الجائر، حيث يعد معدل استغلالها عالياً ويتطلب اذلك خفض صيدها بنسبة لا تقل عن 50% من أجل إعادة تكاثرها.

«كما تتطلب أسماك الشعم والنويبي المحلية إلى حماية بيئات الحضانة ووضع البيوض من أجل ضمان إنتاج مستديم لها».
ولفت د. بيشوب أيضاً إلى تدمير المناطق الطينية المدية المحلية، ما يشكل تأثيراً سلبياً خطيراً على النظام البيئي البحري. «تعد المناطق الطينية قلب البيئة الساحلية البحرية ورئتها، إذ مع المد المنخفض مرتين في اليوم تتعرض للهواء وتحدث الأكسدة الطبيعية وتنمو حشود الطحالب الدقيقة، وحين يحدث المد تأتي الأسماك الصغيرة والقشريات الأخرى لكي تتغذى على تلك المغذيات والمادة العضوية الغنية.

وتابع قائلاً: «كما تقوم تلك المياه الضحلة بمفعول التبريد عن طريق التبخر حين تهب الرياح على طول السطح. ويعد هذا الأمر مهماً جداً لأنه إذا ما ارتفعت درجة الحرارة إلى مستوى تحمل الأسماك، يصيبها التوتر وتنخفض مقاومتها وتصبح فريسة سهلة للبكتيريا المرضية. وهذا يشكل أحد أسباب الموت الجماعي للأسماك كما حدث العام 2011، حين لم تهب الرياح وارتفعت درجة حرارة المياة على مدى عشرة أيام تقريباً».

كما يقول د. بيشوب، لأن المناطق الطينية المدية من أكثر الأنظمة البيئية البحرية إنتاجية في العالم فإن قيمتها يمكن أن تترجم إلى قيمة مالية طبيعية تقدر بين 25000 إلى 35000 دولار أمريكي سنوياً لكل هكتار واحد. ومع قيام مشاريع مثل جسر الشيخ أحمد الجابر الذي يمتد إلى الصبية وإنشاء مدينة الحرير مع واجهتها البحرية الكبيرة فإن مساحات شاسعة من المناطق الطينية في الخليج الشمالي للكويت مهدد بالخطر.

ماذا عن القلق المتعلق بتناول السمك المحلي؟ يقول د. بيشوب إنه على الرغم من أن هناك تلوثا ساحليا إلا أن معظم الأسماك التي تصاد تأتي من مناطق بعيدة عن الشاطئ حيث يكون مستوى التلوث ضمن المستوى المقبول.

بالعودة إلى سوق السمك، استمر عدد الزبائن في التزايد مع بداية المزاد. وكان المتسوقون يتفحصون  أكوام الأسماك ويضعون أسعارهم على الأسماك المهتمين بها. وكان صياد من السنبوك يلقي بسلة أخرى من السمك ويشير إلى مكان في البلكونة الواسعة من الطابق الأول تشكل مكاناً جيداً لمشاهدة المزاد. ومن ذلك المكان كانت أصوات الحشود الضخمة من الناس تبدو كأنها زئير ثقيل.

يغادر بعض المتسوقين حاملين صفقات جيدة في حين ينتهي متسوقون آخرون بدفع مبلغ أكثر من سعر السوق، ولكن مع إدارة المسامك القائمة على نظام بيئي بحري صارم والتعاون المتزايد في هذا المجال بين دول الخليج العربي هناك أمل أن هذا المشهد الذي يمثل عطاء البحر سوف يستمر للأجيال القادمة.

مصدر . 

شاهد أيضاً

هل ترفع الكويت السرية المصرفية عن حسابات الوافدين؟

هل تتجه الكويت إلى رفع «السرية المصرفية» عن الحسابات البنكية للوافدين؟ سؤال طرحته المصارف على …